السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

72

مفاتيح الأصول

فلأنّ المعاني غير متناهية فلو وضع لكلّ منها لفظ لزم عدم تناهي الألفاظ لأنّ المتناهي إذا طبق على غير المتناهي لزم أن يكون غير متناه وأمّا بطلان التالي فلأنّ الألفاظ مركبّة من الحروف المتناهية وكلّ مركَّب من المتناهي متناه بالضرورة فالألفاظ متناهية كذا قيل فعلى هذا إذا رأينا معنى استعمل فيه لفظ ولم يستعمل فيه غيره ولم يحتج إلى التّعبير عنه لا يجوز أن يحكم بأنّ هذا اللَّفظ ممّا وضع لهذا المعنى بل يجب التوقّف حينئذ والرّجوع إلى الأمارات الخارجيّة وهل المعنى الَّذي يحتاج إلى التّعبير عنه لكن لا على وجه الشدّة مثل القسم الأوّل أو مثل القسم الثاني إشكال مفتاح اعلم أنّ اللفظ إذا كان مشهورا بين أهل اللَّسان ومتداولا بينهم بمعنى أنّه يكثر دوره وإطلاقه على ألسنتهم كان ذلك دليلا على أنه موضوع لمعنى غير خفيّ يهتدي إليه العامة فلو ادعى أنّه موضوع لمعنى خفيّ لا يتعقّله ولا يدركه إلَّا الذّكي كانت الدّعوى فاسدة وهو واضح فيما إذا علم إجمالا أنّ التّداول والاستعمال ليس إلَّا من جهة الحقيقة لأنّ تداول اللَّفظ واشتهاره إنّما يكون باعتبار كثرة التّعبير به عمّا في الضّمير وهي لا تكون إلَّا بعد معرفته العامة فلو كان المعنى خفيّا لما عرفته العامّة فلم يكثر التّعبير عنه وهو يستلزم عدم اشتهاره وكثرة تداوله والفرض خلافه ولأن الغالب في الألفاظ المشهورة المتداولة ظهور معانيها فيلحق موضع الشّك به ومن هنا ظهر وجه إحالة الفقهاء والأصوليّين معاني الألفاظ إلى العرف فيقولون المراد بالارتماس ما يسمّى في العرف كلاما ويبطلون توهّم إرادة المعنى الخفي كالدّفعة الحقيقية والكلام النّفسي من تلك الألفاظ والظاهر أنّ ما ذكرناه ممّا لا يكبر له منهم وعليه جرت طريقتهم واستمرّت سجيّتهم وأمّا إذا لم يعلم بذلك فالظاهر ذلك أيضا لأن الدّوران على الألسنة يحكم ظهور كون الإطلاق على جهة الحقيقة ولكن لو ظهر كونه على جهة المجاز والحكم بكونه موضوعا لمعنى ظاهر مشكل مفتاح إذا ثبت حكم لغوي لأكثر أفراد مفهوم كلَّي كما ثبت وجوب الرّفع لأكثر أفراد الفاعل والنّصب لأكثر أفراد المفعول ونحو ذلك وشك في حصول ذلك الحكم لما بقي من أفراد القليلة فهل الأصل ثبوت ذلك الحكم لها أيضا بمجرّد ثبوته لأكثر الأفراد أو لا بل يجب الاقتصار على ما ثبت تحقّقه فيه ولا يتعدّى إلى غيره إلَّا بدليل غير ما فرض وبالجملة مرجع الكلام إلى حجيّة الاستقراء في اللَّغة فإنّ ما فرضناه هو الاستقراء على ما يستفاد من كلام المحقّق في المعارج حيث قال الاستقراء هو الحكم على جملة بحكم لوجوده فيما اعتبر في جزئيّات تلك الجملة ومثاله أن تستقرأ الزّنج فتجد كلّ موجود منهم أسود فتحكم بالسّواد على من لم تره كما حكمت على من رأيته وحاصله التسوية من غير جامع انتهى الأقرب عندي هو الأوّل لأنّ مع كثرة الصّور يغلب على الظنّ أنّ الباقي مماثل لما وجد والعمل بالظنّ واجب لا يقال هذا مدفوع بما أشار إليه في المعارج فقال في مقام رفع هذه الحجّة لا نسلم أنّه يغلب على الظنّ إذ لا تعلَّق بين ما رأيت وما لم تره ولا بين ما علمته وما لم تعلمه ولو سلَّمنا حصول الظنّ لكن الظنّ الحاصل من غير أمارة لا عبرة به وليس وجود الحكم فيما رأيته أمارة لوجوده في الباقي سلَّمناه لكن الظنّ قد يخطئ فلا يعمل به إلَّا مع وجود دلالة تدلّ عليه لأنا نقول ما ذكر لا يصلح للدّفع لأنّ منع حصول الظنّ من الاستقراء بعيد في الغاية بل التّحقيق أنّه يفيد الظنّ عادة بل قد يحصل منه العلم وذلك معلوم بالتّجربة والوجدان ولو قيل إنّ معظم العلوم العادية والظَّنون العادية لا يقدح فيها الاحتمالات العقليّة وإلَّا لما أفاد التواتر والمحفوف بالقرائن العلم وخبر العدل ونحوه الظنّ لأنّ الاحتمالات العقليّة المنافية كثيرة فالمناط في العلم والظنّ العاديين هو العادة فمن ادّعى وجدان شيء من غير إقامة برهان عليه فإن كانت الدّعوى مستندة إلى سبب يمكن حصول العلم منه عادة كان يدعى العلم بموت زيد بإخبار عشرة رجال معتمدين قبلت منه بمعنى أنّه لا يعلم بكذبه بنفس الدّعوى وإن لم يحصل هذا العلم لغيره وإن كانت مستندة إلى سبب لا يمكن حصول العلم منه عادة كان يدعى حصول العلم بموت زيد بمجرّد خبر كذوب فلم يقبل ويكذب بنفس الدّعوى وممّا ذكرناه اندفع ما ذكره في وجه عدم إفادة الظنّ ويندفع به أيضا ما ذكره جماعة في نفي إفادته العلم من أنّه يجوز أن يكون حال من لم يستقرأ بخلاف حال ما استقرأ كما لا يخفى وبالجملة لا شكّ أن أقلّ ما يحصل من الاستقراء هو الظنّ ويتدرّج بدرجات الاستقراء حتّى يبلغ العلم فإنكار المحقّق والعلامة والرّازي لإفادته الظنّ لا وجه له وممّن صار إلى إفادته الظنّ العبري في شرح المنهاج وغيره وأمّا منع حجيّة الظنّ الحاصل من الاستقراء في اللَّغات ففي غاية الضّعف أيضا لوجوه الأوّل ما تقرّر عندنا من أصالة حجيّة كلّ ظنّ في اللغات الثّاني ظهور اتّفاق الأصوليّين من العامة والخاصّة على حجيّة ذلك في اللَّغة كما لا يخفى على من تتبع كتبهم وكلماتهم ولولا كون ذلك معتبرا عندهم لبطل كثير من قواعدهم المتّفق عليها من أصالة عدم النّقل والمجاز والاشتراك ونحوها إذ لا مستند لها سوى الاستقراء والغلبة هذا ولو قيل إنّ ذلك ممّا اتّفق عليه جميع أهل اللَّسان لم يكن بعيدا الثّالث أنّه لو منع من حجيّة ذلك لانسدّ باب معرفة اللَّغات غالبا لأنّه المدرك فيها غالبا لا التّنصيص من العرب ونحوهم من أهل اللَّسان إذ من المقطوع به أن العرب مثلا لم ينصوا بما